ناصر الجابري (أبوظبي)
وقعت الكاتبة والأستاذة الجامعية الدكتورة فاطمة حمد المزروعي، كتابها الجديد «شِفرات السعادة» في جناح دار هماليل للنشر والتوزيع، بحضور سعادة الدكتور علي بن تميم مدير عام «أبوظبي للإعلام» الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب، إضافة إلى عدد كبير من المفكرين والأدباء والمثقفين والمسؤولين من مختلف الجهات داخل الدولة وخارجها.
وقالت الدكتورة فاطمة المزروعي: يتحدث الكتاب عن سعادة الإنسان ومفهومها ضمن مجموعة من المقالات المتنوعة التي تطرح عدداً من المفاهيم والقيم والسلوكيات ذات الارتباط بتحقيقها، إضافة إلى أبرز المقولات التي تحث على أن يصل الإنسان خلال رحلة بحثه إلى ما يطمح إليه من السعادة المنشودة، والتي تعتبر هدفاً وغاية للبشرية منذ القدم.
وحددت المزروعي مجموعة من الخطوات التي تصل بالإنسان إلى طريق السعادة، منها أن السعادة تتمثل في تحقيق الإنسان لأهدافه ورؤيته في الحياة، وأن يحب الإنسان نفسه ويتوازن في علاقاته مع الآخرين، إضافة إلى الحرص على تحقيق الموازنة في العلاقة مع العمل بحيث لا تطغى على الحياة، كما أن من المهم ممارسة مختلف المواهب والهوايات والخروج مع الأصدقاء.
وأشارت إلى أن مفهوم السعادة لا يقتصر على هذه الخطوات، بل يشمل أموراً أخرى تساعد الإنسان على تحقيقها، حيث تعد معرفة الذات من أهم الأمور للوصول إلى لذة السعادة، كما يتوجب على كل منا إدارة انفعالاته في علاقاته مع الآخرين وأن يتحلى بثقافة المنح والعطاء والتسامح مع الغير، فهذه السلوكيات النبيلة تعكس قيماً وجدانية عميقة تسهم في تحقيق الإنسان لمبتغاه الشعوري.
ولفتت إلى أن التوازن هو «سر» التعاملات الإنسانية، حيث لابد أن يكون الإنسان حريصاً على صحته وخالياً من السموم ليكون سعيداً، وأن يوازن في كافة تعاملاته وعلاقاته بحيث لا يرتقي مفهوم أو هدف على حساب جانب آخر يشكل قيمة من قيم السعادة، ذلك أن كل جزء يكمل الآخر في مفهوم السعادة وهو ما يتطلب توازناً عميقاً يجعل الإنسان مدركاً لنفسه واهتماماته وأهدافه.
ورداً على سؤال حول أهمية معرض أبوظبي الدولي للكتاب، أوضحت الدكتورة فاطمة المزروعي أن المعرض يعد أحد أبرز المعارض الدولية التي تشكل مناسبة للالتقاء بالآخرين من المفكرين والمثقفين والقراء، إضافة إلى التواصل مع دور النشر والاستفادة من الندوات والملتقيات الأدبية التي تتيح المجال للتباحث الفكري حول شتى القضايا، كما يعد مناسبة ارتبطت بها وأصدرت خلالها جميع إصداراتي.
ودعت المزروعي الأسر إلى زيارة معرض الكتاب، لما يحتويه من إصدارات ومؤلفات تثري الفكر وتوسع مدارك المعرفة، إضافة إلى توافر الكم الكبير من الكتب التي تبحث في شتى المفاهيم الإنسانية والمناسبة لمختلف الشرائح المجتمعية، بما يجعل زيارة المعرض رحلة عائلية فكرية تسهم في تعميق العلاقة مع مختلف الأفكار، وترسخ من قيمة القراءة وأهميتها.
شذرات السعادة
ويأتي كتاب الدكتورة فاطمة حمد المزروعي متضمناً 25 مقالاً مختلفاً تتمحور حول أهمية أن يكون الإنسان سعيداً في حياته، عبر أن يتوسع في فهم ذاته ودواخله، وأن يصل بالإلمام العميق حول طموحاته وآماله وأفكاره، مستحضرة عدداً من الأمثال الشعبية والقصص العالمية التي تدور حول مفهوم السعادة باعتباره القمّة الوجدانية لما يسعى الإنسان لتحقيقه خلال حياته وأعماله.
وأشارت المزروعي خلال كتابها إلى أن لعبة الحياة وحياتنا تتمثل بين عدد من المفاهيم هي العمل والعائلة والصحة والأصدقاء والحالة النفسية، وهو ما يتطلب نقل الأمور الإيجابية ومنها نقل أفضل التجارب من العمل إلى العائلة والأصدقاء، لأن ذلك يعزز الإيجابية والتفاؤل في الحياة، ويساعد الناس على المضي قدماً فيها بكل محبة.
وطرحت عدداً من الأسئلة خلال مقالاتها بهدف اصطحاب القارئ نحو فهم ما يمتلكه وما يرغب في امتلاكه، من خلال السؤال حول الرضا والقناعة والغضب والمشاعر المحيطة، والتي تجعل كلاً منّا يسبر أغوار نفسه بعد أن يعلم عن حالته اليومية، وما إن كانت طريقاً للسعادة أو عقبة لتحقيقها، مستذكرة مجموعة من الأمثلة التي تبرز ما قد يتناساه الإنسان في حياته اليومية.
وشددت على أهمية الشعور بالرضا والاستمتاع بما نملك والشكر على النعم. إضافة إلى أهمية إدراج عدد من الأمور الصغيرة التي يمكن أن نضيفها لليوم فتتجدد المشاعر وتبتهج الأيام، ومنها مكالمة صديق عزيز أو تناول العشاء مع صديق أو قراءة كتاب أو جلسة استرخاء، أو المشي على البحر أو في الحديقة، وهي جميعها تمنح الحياة طعماً ومذاقاً مختلفين.
وتعكس هذه الرؤية، النظرة العميقة لدى المؤلفة بأن السعادة لا تكمن في تحقيق أصعب الأشياء، بل في فهم أبسط المعاني وتقديرها، بحيث ينظر الإنسان إلى الكأس المملوء في نفسه وما يحيط به من دفء أسري ومجموعة الإنجازات والنعم التي قد تكون حوله ولكن لا يراها، وهو ما يؤكد أهمية استشعار الصغائر من القيم والقناعة بها، بما يجعل القلب حافلاً بالرضا والسكينة، وهو ما يؤدي إلى راحة الوجدان.
وضمن مقال «السائرون نحو السعادة»، أكدت المزروعي أن موضوع السعادة هو من أكثر الموضوعات التي تناولتها الأديان والفلسفة والفنون والعلوم الإنسانية، كل في مجال اختصاصه، فقاربته في محاولة لتعريفه مع تبيان محدداته وأسبابه، وفصلت أثره في حياة الفرد والمجتمع، وبذلك تكون السعادة ذات حمولة تاريخية مثقلة وطويلة، لكن ما يفهم فعلياً هو معرفة الطريق المؤدي إليها.
وأوضحت أن مفهوم الرغبة في السعادة لا يعني وجود دافع وتحديد الهدف فحسب، وإنما وعي المرء بشخصيته، من خلال فهمه لنقاط ضعفها وقوتها وما يحب أو يكره، إضافة إلى معرفة أحلامه وتطلعاته وسؤال النفس عن الأولويات والطموحات، لكي يحقق لذاته الرضا بما أنجز، وهو ما يشكل «وصفة حياتية» تبرهن على دور معرفة الذات قبل الارتحال في طريق السير نحو مصطلح السعادة.
الوصول للسعادة
وتبحر مقالات الدكتورة فاطمة المزروعي في شطآن البحث عن السعادة، مؤكدة أن السعادة المؤجلة المرتبطة بظرف خارجي ليست لصيقة بيوم المرء ولحظته الراهنة، والتي تأخذ وقتاً عندما يرهن الإنسان نفسه للسعادة عند حدث بعينه، كالتخرج من المدرسة أو الزواج أو الإنجاب، أو امتلاك المال وشراء المنزل الكبير، فالوقت هو المادة الخام، ولا ينبغي أن يعلق الإنسان سعادته في حبال المستقبل.
وتطرح جدلية المسؤول عن السعادة في حياة الإنسان، مشيرة إلى أن كلاً منا يستحق السعادة في كل يوم وهو المسؤول عن سعادته بأن يجلبها لنفسه، عبر استثمار اللحظات والمواقف وتقليل السلبيات التي قد تصادفه، وإدراك الفرص التي تحيط به والنعم من حوله، ومنها نعمة الحياة والأمن على نفسه وبيته وماله ومستقبلة وسبل التعليم والتطوير.
ويجسد قول المزروعي، إن السعادة ليست محطة وصول وإنما هي الطريق في الحياة، فهماً جوهرياً أن خوض التجارب البشرية بحد ذاته يمثل مصدراً يستمد منه الإنسان شعوره بالسعادة من خلال استثمار الذات وامتلاك القناعة والارتواء من كأس الإيجابية، فالسعادة ليست القمة التي بعدها نزول إلى القيعان، بل شعور مستدام يتجدد مع كل هدف، ويتعاظم في النفس مع كل لذة إنجاز.
الإمارات السعيدة
واستحضرت الدكتورة فاطمة حمد المزروعي نموذج الإمارات التنموي ومآثرها وأياديها البيضاء التي أسعدت البشر حول العالم، حيث أكدت أن الإمارات ستبقى قصة نجاح فريدة من نوعها على مستوى العالم عنوانها السعادة والتسامح، حيث رسم ملامحها ورسخ أركانها الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، وعلى نهجه سائرون ولهذا نحن من أسعد شعوب العالم.
ويأتي هذا المثال الحضاري الواقعي، لتشير المزروعي إلى أن السعادة أصبحت منهجية عالمية قادتها دولة الإمارات من خلال مبادرات الخير التي شملت القريب والبعيد باختلاف دياناتهم وأعراقهم، إيماناً من الدولة بالمفهوم الحقيقي للتسامح وأن الرابط البشري هو الأجمع، وهو ما تستند عليه عبر تقارير المساعدات الدولية التي تبين حجم ما قدمته الإمارات، ما جعل الدولة تتصدر مؤشرات المساعدات التنموية.